حسن كجوط ـ الرباط ـ 2022
يعد كتاب « الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني: إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية (1212-1465م) » للدكتور حميد تيتاو من أهم الدراسات المغربية التي قاربت التاريخ الوسيط من منظور التاريخ الاجتماعي، حيث ينتقل بالمؤرخ من متابعة أخبار المعارك والسلاطين إلى دراسة الإنسان والمجتمع وما أحدثته الحروب من تحولات عميقة في مختلف البنيات.
فالكتاب، الصادر سنة 2009 عن مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، في 606 صفحات، لا يهدف إلى إعادة سرد الوقائع العسكرية أو تتبع الحملات الحربية، وإنما يسعى إلى الكشف عن العلاقة الجدلية التي ربطت الحرب بالمجتمع المغربي خلال العصر المريني، وإبراز أثرها في الاقتصاد والتنظيمات الاجتماعية والذهنيات والعمران.
وينطلق الباحث من فكرة أساسية مؤداها أن الحرب ظاهرة إنسانية صاحبت المجتمعات منذ أقدم العصور، وأن آثارها لا تتوقف عند ساحات القتال، بل تمتد إلى مختلف مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن هذا المنطلق، يدعو إلى تجاوز المقاربة التقليدية التي حصرت التاريخ العسكري في وصف الوقائع والانتصارات، نحو مقاربة متعددة التخصصات تستفيد من التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع العسكري وعلم الحروب (Polemology)، لفهم انعكاسات الحروب في المجتمع.
ويؤكد المؤلف أن دراسة الحرب لا تكتمل إلا بدراسة آثارها في الإنسان، إذ تترك بصماتها في سلوك الأفراد والجماعات، وفي أنماط التفكير والقيم والعلاقات الاجتماعية، كما تؤثر في الإنتاج الاقتصادي، وفي التوازنات الديمغرافية، وفي تشكيل الذهنيات الجماعية، وهو ما يجعل الحرب ظاهرة اجتماعية بامتياز، وليست مجرد حدث عسكري عابر.
وتكشف بنية الكتاب عن هذا التوجه المنهجي؛ إذ خصص الباحث مدخلاً نظرياً ناقش فيه الكتابات المتعلقة بالدولة المرينية، ثم تناول مفهوم « الحرب والمجتمع« في ضوء العلوم الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى دراسة الإطار النظري للحرب بالمغرب الأقصى.
ويتناول الباب الأول انعكاسات الحرب على البنيات والتنظيمات، من خلال دراسة علاقة القبيلة بالحرب، وأساليب التعبئة العسكرية، والتنظيمات القبلية، والمقاصد السياسية للصراع، إضافة إلى علاقة الدولة المرينية بالحرب من خلال الموارد البشرية والمالية والبنيات العسكرية.
أما الباب الثاني، فيخصصه لتحليل تأثير الحرب في المجتمع والذهنيات، حيث يدرس آثارها في البنية السكانية والأسرة والمرأة والطفل، كما يرصد انعكاساتها في القيم الجماعية والسلوك الاجتماعي، وفي الحياة الثقافية والمعتقدات الشعبية، قبل أن يختم بدراسة أثر الحروب في العمران، من خلال تحليل مظاهر التخريب وإعادة البناء.
ولا يغفل المؤلف الجانب الاقتصادي، إذ يقدم معالجة معمقة لانعكاسات الحرب على النشاط الفلاحي والحرفي والتجاري، مبينا كيف ساهمت الحروب في إعادة توزيع الثروات، وإحداث تحولات في أنماط الإنتاج، وتمويل الدولة، وتدبير الموارد، بما يجعل الاقتصاد أحد أهم مفاتيح فهم المجتمع المريني.
ويتميز هذا العمل باعتماد منهج علمي يجمع بين التحليل التاريخي والمقاربة المقارنة والاستقراء، مع توظيف أدوات التاريخ الاجتماعي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وهو ما مكن الباحث من تجاوز القراءة الوصفية للأحداث إلى تفسير آليات اشتغال المجتمع في زمن الحرب، والكشف عن تأثير الصراعات في تشكيل البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية.
ويمثل كتاب « الحرب والمجتمع بالمغرب خلال العصر المريني« إضافة نوعية إلى المكتبة التاريخية المغربية، لأنه يفتح آفاقا جديدة أمام الباحثين لإعادة قراءة تاريخ المغرب الوسيط من خلال الإنسان والمجتمع، لا من خلال الوقائع السياسية والعسكرية فقط. وهو بذلك يؤكد أن الحرب، رغم طابعها العسكري، كانت عاملاً أساسيا في تشكيل الدولة والمجتمع، وفي رسم ملامح التاريخ المغربي خلال العصر المريني، مما يجعل هذا المؤلف مرجعا أساسيا لكل المهتمين بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمغرب.